أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

7

التوحيد

والحكمة ومن قام بتدبير أنواع الصناعة ، وباللّه المعونة والنجاة . وأما العقل فهو أن كون هذا العالم للفناء خاصة ليس بحكمة ، وخروج كل ذي عقل - فعله - عن طريق الحكمة قبيح عنه ، فلا يحتمل أن يكون العالم - الذي العقل منه جزء - مؤسسا على غير الحكمة أو مجعولا عبثا . وإذا ثبت ذلك دلّ أنّ إنشاء العالم للبقاء لا للفناء . ثم كان العالم بأصله مبنيا على طبائع مختلفة ووجوه متضادة ، وبخاصة الذي هو مقصود من حيث العقل الذي يجمع بين المجتمع ويفرّق بين الذي حقه التفريق ، وهو الذي سمّته الحكماء العالم الصغير ، فهو على أهواء مختلفة وطبائع متشتتة ، وشهوات ركّبت فيهم غالبة ، لو تركوا وما عليه جبلوا لتنازعوا في تجاذب المنافع وأنواع العزّ والشرف والملك والسّلطان ، فيعقب ذلك التباغض ثم التقاتل ، وفي ذلك التفاني والفساد الذي لو [ لم يكن ] « 1 » أمر كون العالم له لبطلت الحكمة في كونه . مع ما جعل البشر وجميع الحيوان غير محتمل للبقاء إلا بالأغذية وما به قوام أبدانهم إلى المدد التي جعلت لهم . فلو لم يرد بتكوينهم سوى فنائهم لم يحتمل إنشاء ما به بقاؤهم . وإذ ثبت ذا لا بد من أصل يؤلف بينهم ويكفّهم عن التنازع والتباين الذي لديه الهلاك والفناء . فلزم طلب أصل يجمعهم عليه لغاية ما احتمل وسعهم الوقوف عليه . على أنّ الأحقّ في ذلك - إذ علم بحاجة كلّ ممن يشاهد وضرورة كلّ من المعاين - أنّ لهم مدبرا عالما بأحوالهم وبما عليه بقاؤهم ، وأنه جبلهم على الحاجات ، لا يدعهم وما هم عليه من الجهل وغلبة الأهواء - مع ما لهم من الحاجة في معرفة ما به معاشهم وبقاؤهم - دون أن يقيم لهم من يدلّهم على ذلك ويعرّفهم ذلك . ولا بد من أن يجعل له دليلا وبرهانا يعلمون خصوصه بالذي خصه به من الإمامة لهم وأحوجهم إليه فيما عليه أمرهم ، فيكون في ذلك ما بيّنا من صدق من ينتهي قوله إلى قول من دلّ عليه العالم بأمر العالم أنّه هو الذي جعله المفزع لهم والمعتمد ، ولا قوة إلّا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم اختلف في الأسباب التي بها يعلم المصالح والحق والمحاسن من أضدادها ، فمنهم من يقول : هو ما يقع في قلب كلّ منهم حسنه لزمه التمسك به ، ومنهم من يقول : يعجز البشر عن الإحاطة بالسبب ولكن يتمسك بما ألهم ؛ لما يكون ذلك ممّن له تدبير العالم . قال الشيخ رحمه اللّه تعالى : وهما بعيدان من أن يكونا من أسباب المعرفة ؛ لأن وجوه التضاد والتناقض في الأديان بيّن ، ثم عند كل واحد منهم أنه المحق ، ومحال أن

--> ( 1 ) كلمة ساقطة في الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه في النص .